ثقافة منها ميعاد سبيطلة وانتفاضة الفراشيش وثورة الودارنة: صفحات من نضال الريفيّين همّشها التاريخ.. بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
بقلم الأستاذ عميره عليّه الصغيّر
صفحات من نضال الريفيّين همّشها التاريخ المتداول
I- من الاحتلال إلى الحرب العالمية الثانية (1881 – 1945)
1- الفلاحون في طليعة المتصدّين للإحتلال
ما إنّ غزت الجيوش الفرنسية الإستعمارية تونس في 24 أفريل 1881 قادمة من الجزائر لتحتّل الكاف في 26 أفريل وتتوغّل تدريجيا في احتلال بقية البلاد حتى هبّ الفلاّحون ومختلف العروش للتصدّي للمحتلين وعُقدت الاجتماعات "الميعادات" والأحلاف (ميعاد سبيطلة مثلا) لتنسيق الجهود للمقاومة.
وكان الفلاّحون والبدو وأنصاف البدو أبطال عديد المعارك مع جيش الإحتلال نذكر معركة بن بشير (30 أفريل 1881 )، معركة وادي لايا، معركة الرّوحية، معركة الحمّامات، معارك الدّفاع عن صفاقس وقابس، معركة وادي الزّرقة... واستبسلت مختلف العروش من خمير وأولاد عيّار وجلاص وهمامّة وبني زيد ونفزاوة ومرازيق وورغمة في هذه المقاومة وكان أبناء الفلاحين من الجنود الفارّين من جيش الباي كذلك في مقدّمة هذه المجابهة خاصة في جهة السّاحل وقد قدّم المقاومون ما يزيد عن 2557 شهيد جلهم من الريفيين .
وكان قوّاد هذه المقاومة جلّهم من الفلاّحين وأعيان البدو نذكر منهم علي بن خليفة النّفاتي (1807 – 1885) وعلي بن عمارة الجلاصـي (؟ - 1881) وعلـي بـن عمـار العيّـاري (؟ - 1883) وعلي بوعـلاق (؟ - 1915) ومحمد الصالح الأطرش (؟ - 1881) ومنصور الهوش (؟ - 1891) وغيرهم كثيرين.
لكن لئن انتصرت الجيوش الغازية لتفاوت القوى وفرضت نظام الحماية على البلاد وبدأت في تكريس هيمنتها وفتح البلاد للمعمّرين والمستثمرين الفرنسيّين والأجانب لإستغلال ثروات البلاد والإستحواذ على أراضيها فإنّ الفلاحين سوف يقاومون هذا الوجود الاستعماري بصيغ أخرى.
2- الفلاحون الثّوار ضدّ افتكاك الأرض وإهدار الكرامة
"لا وطن بدون أرض" لذاك كان الفلاحون التونسيون حماة الوطن فعلا وقد جابهوا سياسة الإستحواذ على الأراضي لفائدة المعمّرين الفرنسيين والشركات الأجنبية والمضاربين المختلفين إذ تمكّنت الجاليات الإستعمارية من الإستحواذ على أخصب الأراضي بالبلاد التونسية خاصة شمال الظهرية وحتى حدود 1914 كان نصيبها حوالي مليون هكتار من الأراضي وذاك لما وفّرته الدولة الإستعمارية من ترسانة قانونية وقضائية لخدمة سياسة التّوطين منها بالخصوص القانون العقّاري الصادر في جويلية 1885 والمحكمة العقارية المختلطة وقانون أفريل 1890 المعتبر للغابات ملكا تابعا للدّولة وتسهيل الإستحواذ على أراضي العروش والأحباس.
وقد أدّت هذه السياسة إلى ردود فعل من الفلاحين منها السلمية كتقديم الشكاوي أو العنيفة ومنها الفرديّة أو الجماعيّة. وسجلّ المقاومة من أجل الأرض حافل بالنضالات ونقتصر هنا – لضيق المجال- على أهمها.
أوّلا انتفاضة تالة والقصرين (أو انتفاضة الفراشيش) التي جدّت في أفريل 1906 وتمثلت أحداث الانتفاضة في هجوم فرق من الفراشيش يوم 26 أفريل على ضيعات المعمّرين حول القصرين ومهاجمة المراقبة المدنية بتالة في اليوم الموالي حيث استشهد حوالي عشرة من المهاجمين وسلّطت أحكام قاسية على الناجين منهم (ثلاثة أحكام بالإعدام و 21 بالأشغال الشاقة). وقد أتت هذه الانتفاضة العنيفة من الريفيين نتيجة ظروف البؤس والمجاعة آنذاك وكردّة فعل على استحواذ المعمّرين على أخصب الأراضي الزراعية.
أمّا ثورة الودارنة أو " ثورة الجنوب" (1915 – 1917) التي اندلعت أثناء الحرب العالمية الأولى في عروش أولاد دبّاب وأولاد شهيدة والكراشوة والجليدات والحميديّة وتزعّمها سعيد بن عبد اللطيف كبير أعيان الودارنة وشيخ أولاد دبّاب أخوه علي بن عبد اللطيف وعمر الأبيض شيخ الكراشوة، هي أيضا ثورة الفلاحين والبدو ضد السيطرة الاستعمارية العسكرية والتضييق على العروش في نشاطها وتجارتها وكذلك لنصرة مجاهدي طرابلس ضد الاحتلال الإيطالي.و قد استشهد في هذه الانتفاضة 118 مقاوما .
كما هبّ أبطال آخرون فرادى هذه المرة لمقارعة الإستعمار جذورهم فلاحية وريفية وسجّلت بطولاتهم الذاكرة الشعبية نذكر من بينهم محمد الدّغباجي (1885 – 1924) والبشير بن سديرة السّندي (1892 – 1919) وبلقاسم بن ساسي (1914 – 1929).
ولم يقتصر ردّ فعل الفلاحين التونسيين على السياسة الاستعمارية على المجابهة العنيفة بل كان ضمن صيغ سلميّة أخرى وفي أطر متنوّعة.
3- الفلاحون في العمل المنظم الجمعياتي والحزبي
منذ قبل الحرب العالمية الثانية أسّس الفلاحون منظمات وجمعيّات لم تكتف بالدّفاع عن مصالح أعضائها وتشجيع المشاريع والأعمال السّاعية إلى دعم الكيان التونسي بل حرصت أيضا منذ نشأتها على تبنّي النهج الوطني والدفاع عن الذّات التونسية حتى وإن لم يصطبغ نشاط تلك الأطر بالصّبغة السياسية الواضحة لما يمنعه القانون على المنّظمات المهنية جمعاويّة أو نقابية من الخوض في الأمور السياسية.
ولإن المجال لا يسمح بالتوسّع نقتصر هنا على التعرض لأهم تلك الأطر التي جمعت الفلاحين قبل 1945.
• "جمعية الفلاحين التونسيين"
تأسست في 26 ديسمبر 1928 وكان رئيسها الشرفي الطاهر بن عمّار ورئيسها الفعلي ومحرّكها الأساسي علي بلحاج أصيل جرجيس (ملاّك بتستور) ومن أعضائها البارزين عبد الرحمان الباجي. وعرف عن هذه الجمعية دعمها للحزب الدستوري التونسي وانتماء بعض قياديها لصفّه مثل محمد بن عّمار والطاهر التّوكابري وحسين فرحات.
• "النقابة الصّناعيّة للفلاحين التونسيين"
تأسّست في 16 نوفمبر 1932 علي يدي عبد الرحمان الباجي الفلاح بقبلاّط. وقد حملت هذه النقابة لواء الدفاع عن الفلاحين المثقلين بالديون والمهدّدين بعقلة أراضيهم وطالبت بحل مشكلة الديون وتوقيف مصادرة الأراضي وإصلاح النظام العقاري واجتثاث البداوة ووقفت ضد سياسة التمييز لفائدة المعمرين الفرنسيين ودافعت على حق الفلاحين في حواشي الغابات كما طالبت بمراجعة نظام الوحدة الجمركية الذي دخل محلّ التنفيذ سنة 1928 لحماية المنتوجات الفلاحية التونسية واعانة الفلاحين التونسيين على بعث صناعات متولدة عن الفلاحة وإحداث بنك زراعي لحماية المزارعين من الرّبا وتوفير القروض لهم كما طالبت هذه النقابة التخفيض من الضرائب المسلطة على الفلاحين كضريبة "القانون" على الزياتين والنخيل وضريبة "العشر" على القموح. ومن جملة مطالبها كذلك نشر التعليم العصري وخاصة الفلاحي منه وهي تلتقى كما هو ملاحظ مع مطالب النخبة الوطنية في الحزب الدستوري أو خارجه.
كما سجلت لهذه النقابة - رغم تحجير النشاط السياسي عليها – مواقف وطنية ومطالب سياسية كالمطالبة بتوسيع نفوذ "المجلس الكبير للبلاد التونسية" ومنحه صلاحيات في التشريع العام والجمركي وانتخاب أعضائه عن طريق الإقتراع العام والمباشر.
ووقفت "النقابة الصناعية للفلاحين التونسيين" إلى جانب المعتقلين من الدستوريين في 3 سبتمبر 1934 إذ كان قياديوها قريبين من الحزب الدستوري الجديد وعكست جريدة هذه المنظمة "صوت الفلاح التونسي" (التي صدرت بين 4 ديسمبر 1933 وأواخر 1937) تلك المواقف. وكان لهذه النقابة تحركات جماهيرية أهمّها تلك المظاهرة التي تمت بتونس في 11 جويلية 1933 وجمعت 12000 شخص لتحسيس السلط الاستعمارية ببؤس الفلاحين التونسيين.
• "نقابة الفلاحين التونسيين بالجنوب"
تأسست في 5 أكتوبر 1936 بصفاقس ورأسها المحامي عبد الرحمان علولو أمين المال المساعد للحزب الدستوري الجديد أمّا كاتبها العام ومحرّكها الأساسي فكان حسين بلاّعج وهو من كبار أعيان الحزب الدستوري الجديد بصفاقس لذاك كانت هذه المنظمة تأتمر بأوامر الحزب وكانت مواقفها وطنية صريحة.
• "جامعة جمعيّات الفلاّحين التّونسيّين"
تأسّست في 24 أكتوبر 1945 بتونس وانتخب مؤتمرها التأسيسي محمد الصالح بن حمّودة (فلاّح بجهة ماطر) كاتبا عاما لها ومحسن الفوراتي كاهية أوّل للرئيس والحبيب المولّهي كاهية ثان والمحامي المهدي ناصر أمين مال وعلي بن عبيد كاهيته ومحيي الدّين القليبي كاتب القلم العربي والصّادق بوسن كاتب القلم الفرنسي.
وكانت هذه الجامعة قريبة من الحزب الدستوري القديم ولا أدّل على ذلك من وجود أحد قادته البارزين أي محيي الدّين القليبي ضمن تشكيلتها القيادية ولئن لم يؤسّس الفلاّحون حزبا سياسيّا خاصّا بهم فإنهم كانوا غالبيّة قواعد الحزبين الوطنيين أي الدستور القديم والدّستور الجديد وحتى ضمن قياداته.
فقبل انشقاق الحزب الحرّ الدستوري التونسي نجد سنة 1933 من ضمن 151 مسؤولا في خلايا الحزب تُعرف مهنُهم 26 فلاّحا وفي المجلس الملّي للحزب الحرّ الدّستوري الجديد المنتخب في مؤتمر 1937 نجد على 38 مسؤولا حزبيّا منتخبا 8 فلاّحين ولم يفتهم في العدد إلاّ المحامون بعشرة أفراد.
فإضافة للعنصر الدّيمغرافي والطّابع الفلاحي والرّيفي لسكّان تونس حتى الإستقلال فإن الإنخراط في العمل الوطني للفلاّحين أصبح هامّا وكبيرا في ارتباط بنمو الوعي الوطني وتهيّأ الأحزاب الوطنية وخاصة الحزب الحرّ الدستوري الجديد وقدرته على النفوذ والتأطير وهذا سوف يبرز بصورة أجلى بعد الحرب العالمية الثانية وما أحدثته من تحوّلات داخليّة وعالميّة. "